||   خطة عمل خاصة لاسترداد بيت المقدس    ||   بنجلاديش: عن أكبر مجزرة جماعية في تاريخ البنغال    ||   الأمانة من اخلاق الانبياء    ||   الخطاب الدعوي في المرحلة الحالية آمال وآفاق    ||   خطبة بعنوان" اداء الامانة مفتاح الرزق " للشيخ محمد كامل السيد رباح    ||   معاونة الظالمين    ||   المرأة المميزة    ||   حرمة دم المسلم .. ما أعظمها تأمُّلات في ظلال سورة الفتح    ||   الأمانة فى الاسلام .. خطبة الجمعة للشيخ سيد طه احمد    ||   مروا أولادكم بالصلاة لسبع
>>زاد الخطيب
التسويق الشبكي في ميزان الفقه الإسلامي
الخميس 15 ربيع الثاني 1433 ـ الموافق 08 مارس 2012

د . عطية فياض

الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه ، وبعد ...

إن شريعة الإسلام التي جاءت لتحقيق مصالح العباد في العاجل والآجل كما قال الشاطبي رحمه الله في الموافقات " الشريعة مبنية على اعتبار المصالح " ( الموافقات : 4/106دار المعرفة ) لم تترك تقدير هذه المصالح لأهواء الخلق ورغباتهم وأذواقهم وأعرافهم وإلا لوقع التضارب والتناقض والاضطراب فمصلحة هذا قد تكون في مقابل مفسدة لذاك ؛ ولذلك تكفلت الشريعة الإسلامية ببيانها إما تفصيلا أو إجمالا .

ومن أكثر ما عنيت به الشريعة الإسلامية في بيانها للمصالح المعتبرة وغير المعتبرة هو ميدان المال والاقتصاد ؛ إذ المال كما يقال عصب الحياة وعده القرآن الكريم من زينة الحياة الدنيا ، وعليه تقوم الحياة والمعايش كما قال تعالى { الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } ( الكهف : 46) وقال تعالى محذرا من ترك المال بيد السفهاء { وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا } ( النساء : 5) ومعنى : قياما ،  أي تقوم به معايش الناس وتحقيق مصالحهم الدنيوية والدينية معا ، ولذلك منعت الشريعة الإسلامية من صرف المال أو استثماره فيما لا يحقق هذه المصالح أو أن تكون المصالح التي تتحقق من مثل هذه الاستثمارات تهدر مصالح أعظم منها في استقرار المجتمع ونظامه وأمنه وعقيدته وصحته ونحوها كالاستثمار في مجال المحرمات والممنوعات من الخمر والمخدرات ، أو أن يسلك المستثمر سلوكا محرما ليضاعف من أرباحه بالغش والتزوير والرشوة والتدليس ، أو أن تكون استثمارات هزلية غير جادة لا تضيف إلى اقتصاد البلاد شيئا ولا تسد حاجة من حاجاتها المعتبرة كالاستثمار في الميسر والقمار ونحوها .

مما تقدَّم يمكننا أن نزن ظاهرة ما يسمى بالتسويق الشبكي أو الهرمي في ميزان مقاصد الشريعة الإسلامية الخاصة باستثمار المال وتنميته وتوفير فرصة عمل كريمة لكل فرد في المجتمع بها تضمن له ولمجتمعه الحياة الكريمة .

أولا : أساس فكرة التسويق الشبكي .

تتعدد نظم التسويق الشبكي أو الهرمي ، وتتفنن كل شركة في تقديم أنموذج للتسويق يختلف في بعض الإجراءات عن نظم شركات أخرى لكن الفكرة الأساسية للجميع تقوم على أن  يشتري شخص منتجات شركة ما ، مقابل الفرصة في أن يقنع آخرين بمثل ما قام به (أن يشتروا هم أيضاً منتجات الشركةويأخذ هو مكافأة أو عمولة مقابل ذلك. ثم كل واحد من هؤلاء الذين انضموا للبرنامج سيقنع آخرين ليشتروا أيضاً، ويحصل الأول على عمولة إضافية، وهكذا.

وبمثال عملي يمكن توضيح الصورة المتقدمة مع الأخذ في الاعتبار أن هذا مثال للتوضيح وهو الغالب في معظم الشركات وإن انفردت بعض الشركات بنظام خاص بها لكن الأساس أو الغالب هو ما أذكره :

نفترض أن "زيداً" قرر أن يشتري منتجات الشركة المذكورة مقابل 100 دولاراً. تعطيه الشركة بناء على ذلك الحق في أن يسوق منتجاتها لآخرين مقابل عمولات محددة. يقوم زيد بإقناع شخصين بالانضمام للبرنامج، بمعنى أن يشتري كل منهما منتجات الشركة، ويكون لهما الحق في جذب مسوقين آخرين مقابل عمولات كذلك. ثم يقوم كل من هذين بإقناع شخصين آخرين بالانضمام، وهكذا ستتكون من هذه الآلية شجرة من الأتباع الذين انضموا للبرنامج على شكل هرمي ، وكل أعضاء مستوى يزيدون عن المستوى الذي يسبقهم ، وفي كل مرة يتضاعف الهرم ومن ثم تزيد العمولات التي يتمتع بالحظ الوافر منها من هم في أعلى الهرم على حساب المراتب الدنيا ،  وذلك كله وفق نظام محاسبي خاص بحساب العمولات المستحقة لكل فرد في الهرم .

وتبالغ الشركات في دعايتها لهذه النظم التسويقية وتغري الشباب وغيرهم من محبي الكسب والثراء السريع والسهل في نفس الوقت حتى لتصور أنه يمكن بشراء سلعة بمائة دولار أن يربح مشتريها مائة مليون دولار بعد سنة أو سنتين لو استمر في العمل وضاعف الجميع جهودهم لإقناع الزبائن بالشراء من منتجات هذه الشركات ، لكن مع ملاحظة أنه إن افترضنا أن المجتمع سيتوقف حتما عن شراء منتج هذه الشركة لوصوله إلى مرحلة التشبع منها فإن كل من هم في أسفل الهرم لن يحصلوا على أي أرباح لأنهم لم يتمكنوا من إغراء غيرهم بالشراء إلا لو افترضنا أن الشخص سيقوم بشراء المنتج مرتين وثلاثة من أجل الحصول على العمولة .

ونظرا لما في هذه النظم من خداع وتدليس وبيع أوهام للناس فقد وقفت كثير من الدول ومنها الدول الغربية في مواجهة مثل هذه الشركات كما حدث في أمريكا مع شركة تسمى سكاي بز skybiz.com ، ومقرها الولايات المتحدة ولها فروع عبر العالم. هذه الشركة رفعت وزارة التجارة الأمريكية ضدها قضية تتهمها فيها بالغش والاحتيال على الجمهور، وصدر قرار المحكمة بولاية أوكلاهوما في 6/6/2001م بإيقاف عمليات الشركة وتجميد أصولها تمهيداً لإعادة أموال العملاء الذين انضموا إليها ، ويمكن الوقوف على هذا الحكم من خلال الموقع الإلكتروني للوزارة ، وفعلت ذلك دول كباكستان وغيرها مع شركات مماثلة .

ثانيا : الحكم الشرعي لهذه العمليات :

يتضح من خلال عرض صورة التسويق الشبكي أن الغرض الأساس في التعامل مع هذه الشركة هو الحصول على العمولات التي توزعها الشركة مقابل إقناع العميل عملاء آخرين في شراء نفس المنتج وقد ينجح في جذب عملاء كثيرين أو قليلين وقد لا ينجح في شيء من ذلك ، ومن ثم فنحن أمام شخص يشتري سلعة غير مقصودة له إنما قصده الأساس العمولة فهو يدفع مائة دولار ليأخذ ألفا أو أكثر ، وهذا الألف قد يأخذه أو لا يأخذه وقد يأخذ نصفه أو ربعه .

وهذه الصورة يرد عليها في الفقه الإسلامي كثير من المآخذ الشرعية ، منها :

 

أولا : معاملة قائمة على ما يعرف في الفقه الإسلامي بالغرر ، والغرر هو كل ما كان غير مأمون العاقبة ، أو كل ما يتردد بين نقيضين أغلبهما أخوفهما : كالوجود والعدم ، والقلة والكثرة ، والسلامة والعطب ونحوه .

وهذا ما يحدث في التسويق الشبكي ؛ لأن المشترك لا يدري هل ينجح في تحصيل العدد المطلوب من المشتركين أم لا ، والعميل يدفع المال لا لرغبته في السلعة، وإنما دفعه رغبة في الحصول على العمولات ، وهذه العمولات قد تحصل وقد لا تحصل؛ لأنها مرتبطة بأمر مجهول وهو إحضار الزبائن للشراء، وجَني الأرباح من جراء شرائهم بواسطته ، كما أن التسويق الشبكي أو الهرمي مهما استمر فإنه لا بد أن يصل إلى نهاية يتوقف عندها ، ولا يدري المشترك حين انضمامه إلى الهرم هل سيكون في الطبقات العليا منه فيكون رابحاً ، أو في الطبقات الدنيا فيكون خاسراً ، والواقع أن معظم أعضاء الهرم خاسرون إلا القلة القليلة في أعلاه ، فالغالب إذن هو الخسارة ، وهذه هي حقيقة الغرر ، والميسر أو المقامرة  ، وقد ورد النهي عن ذلك ، كما صح في حديث مسلم وغيره نهى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن الغرر "

 

ثانيا : معاملة قائمة على الغش والتدليس والتلبيس على الناس والمتاجرة بمعاناتهم وإيهامهم بالثراء والكسب كما ذكرنا أن بعض الشركات تعد زبائنها بالحصول على مئات الملايين من الدولارات إن اشترى سلعة بمائة دولار ، وفي إعلان لشركة تتعامل بهذا النظام في إحدى الدول العربية ذكرت أنه بإمكان مَن يشتري أسطوانة بخمسمائة ريال أن يربح أكثر من أربعين ألف ريال ، وهذا في الحقيقة عمل غير أخلاقي وغش وتدليس إذ لا يقع ذلك قطعا لجميع من يشترك في هذه النظم ولو افترضنا حصوله فسيكون لفرد أو فردين ممن هم في أعلى درجات الهرم ، وكل من الغش والتدليس والتلبيس على الناس من الكبائر التي حذَّر الإسلام منها وتوعد مرتكبيها .

ثالثا : الأصل أن المنتج الذي يقوم العميل مع هذه الشركة بشرائه ليس مقصودا لذاته إنما هو حيلة للحصول على العمولة المحتملة ، وقد تدفع الرغبة في الحصول على العمولات أن يقوم شخص بشراء الكثير من المنتجات باسمه واسم أفراد عائلته مثلا ، فيؤدي هذا إلى تكديس سلع لا فائدة منها ، وصرف أموال في سلع ستتلف مع الوقت وهذا كله تبذير وإسراف وتضييع للمال وهو ما نهى عنه الإسلام بنصوص قاطعة صريحة بل وعد أصحاب هذا المسلك الاقتصادي سفهاء يحجر عليهم ولا يمكنون من حرية التصرف في أموالهم .

 

رابعا : إذا كان شراء السلعة ليس مقصودا لذاته إنما هو حيلة للحصول على العمولات الكبيرة يدخله في ربا الفضل والنساء ، فالشخص يدفع مبلغا من المال ليحصل على مبلغ أكبر منه بعد فترة دون أن يتوسطهما سلعة تباع وتشترى ، حيث السلعة هنا ليست مقصودة فوجودها كعدمها ، وهذا الوجه أكدته اللجنة الدائمة للبحوث والإفتاء بالمملكة العربية السعودية في إجابتها على حكم هذه المعاملة فقالت :" أنها تضمنت الربا بنوعيه ، ربا الفضل وربا النسيئة ، فالمشترك يدفع مبلغاً قليلاً من المال ليحصل على مبلغ كبير منه ، فهي نقود بنقود مع التفاضل والتأخير ، وهذا هو الربا المحرم بالنص والإجماع ، والمنتج الذي تبيعه الشركة على العميل ما هو إلا ستار للمبادلة ، فهو غير مقصود للمشترك ، فلا تأثير له في الحكم ."

 

خامسا : تشتمل هذه المعاملة على أكل لأموال الناس بالباطل ؛ إذ المستفيد الأكبر من هذه النظم هو الشركات ومن ترغب في إفادته من إجل إقناع الآخرين أما الغالبية العظمى فهي تدفع وغيرها يستفيد ، والإسلام يمنع من ذلك .

 

سادسا : يتنافى العمل او التعامل مع هذه الشركات مع مقاصد الإسلام السامية في المعاملات المالية والاقتصاد والثراء  ؛ فإذا كان الإسلام لا يحارب الثراء ولا ينكره لكنه يؤكد أن يكون الثراء والربح نتيجة عمل جاد مثمر يتساوى فيه الربح مع العمل والجهد غالبا فلا بخس للعامل ، ولا محاباة له ؛ لذلك منع الإسلام الغبن والمحاباة معا ، كما أن الإسلام يؤكد أيضا أهمية أن يكون الربح ثمرة عمل نافع يستفيد منه العامل وأمته ، وهو ما يمكن الوقوف عليه من حديث النبي صلى الله عليه وسلم عند أحمد وغيره " أطيب الكسب عمل الرجل بيده وكل بيع مبرور " وفي الصحيحين عن أنس رضي الله عنه قال  : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ما من مسلم يغرس غرسا أو يزرع زرعا فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة ) وعند مسلم عن جابر قال  : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم ( ما من مسلم يغرس غرسا إلا كان ما أكل منه له صدقة وما سرق له منه صدقة وما أكل السبع منه فهو له صدقة وما أكلت الطير فهو له صدقة ولا يرزؤه أحد إلا كان له صدقة )

فالصدقة أو الأجر الذي يحصل عليه الغارس أو الزارع إنما هو الغرس الذي يدفع حاجة هؤلاء ، ويسد جوعتهم ،  ومثل ذلك كل استثمار تجاري أو صناعي ، أما الاستثمارات التي لا تعود بالنفع على الأمة أو صاحبها وهي ما تعرف في الإسلام بالغرر والميسر والقمار والاحتكار والعبث  ونحوها فهي ممنوعة شرعا .

وهذا ما ينطبق على التسويق الشبكي ؛ إذ يدعو إلى البطالة، والكسب بدون جهد، كما يؤدي إلى إثراء طائفة قليلة من المجتمع، مع إفقار أغلب طبقاته، والإسلام يهدف إلى رعاية المصالح العامة ولو تعارضت مع المصالح الفردية .

 

سابعا : لا يمكن اعتبار ما يحصل عليه المتعامل مع شركات التسويق الشبكي بأنه من قبيل السمسرة أو الجعالة أو الهبة لأن السمسرة المشروعة هي التي تهدف إلى تسويق سلعة حقيقية ، والتسويق الشبكي يقوم على تسويق العمولة والسلعة واسطة أو حيلة ، كما أن السمسار واسطة بين البائع والمشتري أو دلال ،  أما العميل في التسويق الشبكي فهو مشتر للسلعة وليس دلالا ، وأخيرا فإن السمسار يحصل على أجرة مقابل عمله والعميل في التسويق الشبكي يدفع للشركة ، وهذه الوجوه ترد أيضا في عدم اعتبار المعاملة جعالة ؛ لأن الجاعل لا يدفع لرب العمل مالا إنما يأخذ منه ، ثم إن تحققت النتيجة المرجوة نال الجعل وإلا خسر عمله فحسب. أما في التسويق الهرمي فالمسوّق لا يسوّق إلا إذا اشترى ودفع مالاً لصاحب السلعة .

 

وبعد عرض هذه الوجوه وبيان مقاصد الشريعة في الاستثمار والتربح والثراء نرجو أن يتجه شبابنا وشركاتنا إلى الأعمال الجادة المثمرة التي تهدف إلى تعظيم الإنتاج وتحقيق الكفاية والرفاه للمجتمع وليست الأعمال التي تضيع الوقت والجهد والمال ولا يستفيد منها المجتمع شيئا . والله تعالى أعلى وأعلم .

Share |


الجهات الأمنية وعمليات طمس أدلة جرائمها في حق الوطن.. رؤية شرعية
دعاة العلمانية في بلادنا
الانتماء بمفهومه الشمولي
الاجتماع أوجب الواجبات ( 1 )
 تصويت هل ترى أن التكنولوجيا الحديثة كانت سببًا في التباعد الأسري؟ 

  نعم
  لا

 أضف بريدك الإلكتروني ليصلك جديدنا:
   
 
     الرئيسية | الأخبار | من نحن | اتصل بنا | المدرسة العلمية | دراسات وبحوث | زاد الخطيب | طلاب علم | رسالة المسجد | استشارات دعوية | شبهات وردود | مكتبة الكتب | برامج فضائية | وسائط | قرأت لك | مشاريع دعوية | بيوتنا | ركن الشباب | بنات X بنات | فارس | قصص وعبر | أدب وفنون | مشاكل وحلول | للمناقشة | حوار مباشر | بأقلامكم     
     الآراء الواردة على الموقع تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى الموقع
حقوق النشر محفوظة © 2005 - 2014 منارات ويب