||   العبد القرآني    ||   الأقصى" بين أنياب الأفعى و"القدس" تحت مطارق العدوان.. ونحن نائمون !    ||   العز بن عبد السلام وموقفه من الحكام الخائنين:    ||   الشماتة    ||   استراحة إيمانية ليس لك من الأمر شيء    ||   مشروعية مقاومة الظلم والظالمين    ||   اشياء تدمر نفسيه طفلك    ||   الصمت بين الازواج    ||   المال في الإسلام    ||   مارأيك في موقع منارات
>>ركن الشباب
قبول الأفكار.. ضوابط وبناء
الجمعة 01 صفر 1434

أ‌.    محمد أبوطالب

إن البناء الفكري يشيد من خلال تراكم –وتجميع- المعرفة والخبرة والدراية بالأفكار والآراء المختلفة والمتشاجرة، وهذه العملية هي حتى يصل الإنسان صاحب التجربة إلى تكوين منهجيته الفكرية، التي تساعده على تطوير خارطته المفاهيمية، والتي على إثرها –المنهجية- يقوم بتحديد ضوابط التعامل مع الأفكار. وهذه الضوابط هي التي تحدد ما إذا كانت الفكرة يمكن تقبلها، ومن ثمّ دراستها وإمعان نظر فيها. أو ما إذا كانت الفكرة يستحسن رفضها -على أسس منهجية وموضوعية-.

 

فأن يكون للإنسان بناء فكري، يعني أن لديه آلية ومنهجية من أجل البناء المستمر. ولا يتم ذلك إلى بأن يكون للإنسان طريقة وأسلوب في التعامل مع المعرفة وانتقاء ما يمكن استعماله في البناء، وتحديد ما ينبغي تركه من أفكار، وذلك وفق الضوابط المنهجية التي يعتدمها المفكر في تعامله مع الأفكار.

 

فلعله بإمكاننا أن نقول، أن أهمية تحديد ضوابط في قبول الأفكار، أهمية قصوى لأي إنسان قبل أن يكون إنسانا مفكراً. وذلك حتى لا يقع الإنسان ضحية أي فكرة تأتي له، فيستقبلها ويتلقاها تلقياً سلبياً يعطل فيه كل ملكاته التي وهبها الله إياه، من سمع وبصر وفؤاد كان عنه مسؤولاً. فهذه المحددات التي لدى جميع البشر، ينبغي أن لا نلقي بها عرض الحائط، فصمم وبكم وعمى، بل نجعلها محددات نستعملها في سبيل الانتقال من الذي لا يعلمون، إلى الذين هم اقتربوا من منازل العلماء ( وَاللهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) ( سورة النحل/78)

 

    طريقة البناء:

إن المفكر ينسج منهجيته الفكرية، ويطورها باستمرار إثر التجربة و وتراكم الخبرة والمعرفة، وهذا يدفع إلى تحسين وتمكين معاييره وضوابطه في قبول أو رفض الأفكار. وإننا نجتهد في هذا المقال بإيراد ضابطين مُهمّين، نجد فيهما شيء من الشمول يسير، لعله يعين على تحليل الأفكار، وتحديد منهجية  للتعامل معها.

 

المحكم والمتشابه: (أو الثابت والفضفاض)

هذه المنهجية في التعامل مع المعرفة مستمدة من الآية الكريمة  (مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ) من آل عمران. وهي متأسسة على تقسيم المعرفة بشكل متدرج بين محكم مُهيمن، ومتشابه فضفاض. وبين دفتي هذين المستويين المعرفيين يمكن للباحث أن يتحصل على ضوابط مناسبة لقبول أو رد الأفكار، أو حتى لتهذيبها وتقييمها.

 

ما نقصده بالمحكم المُهيمن والمتشابه الفضفاض كضابطين للمعرفة، هو أن المحكم يُهيمن ويستوعب المتشابه، وأن المُحكم أصل قويم، وأما المتشابه فيُستؤنس به ويمكن تجاوزه.  ولعل تفصيل الأبعاد المعرفية لهذه الثنائية يطول، ولكنها مُبتنية على أساس التفرقة بين المستويات المعرفية المختلفة للمقولات والأفكار.

 

وهنا نموذج في استعمال هذه الثنائية كضابط للفكر: فهناك مقولة التوحيد، والتي أعتقد أنها أم الحقائق، وأنها الحقيقة الأشمل والأعظم والأحكم والأكثر هيمنةً وعمقا معرفيّاً. إن كان كذلك؛ فإني أقيمها كحقيقة مهيمنة على باقي الحقائق (أُم الكتاب –سواء كتاب الله المسطور أو المنثور-). ويواجه هذه الحقيقة المحكمة رفض تام لنقيضها؛ “نموذج الشرك المعرفي”. ومن هنا فإني كباحث أُقيم ثنائية التوحيد والشرك كثنائية محكمة للنظر إلى الأفكار والمعارف النظرية. ويصحب هذه الثنائية المحكمة إقامة أدوات السمع والبصر والفؤاد كمقاييس محكمة واجبة الإعمال. (وليس في هذا المقال، مقامٌ لتفصيل الأبعاد المعرفية لثنائية التوحيد والشرك، فالسابق مجرد مثال موجز).

 

أما عند التعاطي مع المعارف الأقل إحكاما، فإني حتى إن قبلتها أو رفضتها، فإني في ذلك مستأنس أو مستوحش. وتعاملي معها في إطار نسبي فضفاض مرن يمكنني أن أتجاوز عن المخالف لي فيها بكل أريحية وتفهم.

 

إن هذه المنهجية تملي على صاحبها، أن يتحرك في الواقع من خلال الإطار الأكثر إحكاما وسرمدية، فيبحر فوق أمواج المتشابهات المتلاطمة، ويتجاوزها نحو القيمة المعنوية العليا المحكمة والمقاصدية التي  يمليها عليه إطاره المحكم. وضمن تمسكه بالإطار المحكم في بحث المعرفة، فإنه يتمكن من إدارة إشكالية “الكم” المعرفي بتعويضه بإدارة “الكيف” المعرفي. وأُلفِت بإيجاز إلى تكملة الآية، وأترك القارئ ليتأمل ويتدبر  (فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ) فمن هنا نجد أن الذي يهمل الإطار المحكم، ويُسكن روحه وعقله الإطار الفضفاض المتشابه، فإنه إلى الفتنة  والسفسطة أقرب منه إلى المعرفة والحكمة. (وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُوْلُوا الأَلْبَابِ)

 

الاستيعاب والتجاوز:

إن الإطار المعرفي المحكم، يعدُّ إطارا معرفيا يستند إلى أكبر قدر من التجاوز والتعالي. فحقائقه متعالية سرمدية –كالتوحيد مثلا-، لذا فإنه يحيل صاحبه إلى قدرة عالية من استيعاب الأفكار الأقل تجاوزا والإبصار بحيثيتها المعرفية بين ثنائية التوحيد والشرك، وبعد هذا الاستيعاب يَمكن تجاوزها بالطريقة التي تجذبها نحو تجاوز مماثل، من خلال محاولة تنقيتها من شوائب المتشابه نحو ثبات المحكم.

 

وهنا نلفت إلى أن المقولة المحكمة هي أكثر بساطةً من المقولة المتشابهة –المركبة-، ومع ذلك، فإنه من المفترض للمقولة المحكمة، أن تكون مقدرتها التفسيرية أعلى بكثير من المقولة المتشابهة. (مع العلم أن المقياس بين المحكم والمتشابه، ليس حدياً وإنما متدرج).

 

إننا إن تابعنا محاولة التحليل والتفصيل، فإننا سنحاول أن نبين ملامح الضوابط بشكل أكثر وضوحا، وإن أعذرني القارئ أن أطوي التحليل المعرفي لهذه الضوابط من خلال الفرضيتين السابقتين حتى أصل إلى تحديد بعض معالم المنهجية الفكرية في قبول أو رفض الأفكار.

 

هناك ضابط الانسجام في الفكرة وخلوها من التحيزات الذاتية واللامنطق والمغالطة. وهذا مستمد من الرؤية المعرفية لإعمال السمع والبصر والفؤاد كأدوات للمعرفة السليمة من بعدِ اللامعرفة.

 

ضابط هيمنة القيم العليا المتجاوزة للزمان والمكان؛ فأفكار تتضمن العدوان والظلم والاستكبار والعنصرية تحارب ولا تُقبل. وهذا الضابط متسمد من مفهوم التوحيد المعرفي والإيمان بالله المطلق الكامل والكفر بما سواه.

 

إن كثير من الأفكارِ ماهو نسبيٌّ غير محكم، فلا يلزم أن يرفض أو يُقبل بضربةٍ واحدة. فهو متشابه يهيمن عليه ويتجاوزه الإطار المحكم والضوابط السابقة الذكر.

 

إن الإنسان لا يمكنه أن يؤول كل الأفكار والمعارف الموجودة في الحياة، (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ) ولا أن يصل إلى الصيغة المعرفية المطلقة، لذا هو في حاجة أن يُقسِّم المعارف إلى مستويات معرفية مختلفة تبوب ضمنها الأفكار والأطروحات بحسب موضوعاتها وأبعادها المعرفية.

Share |


الشورى في الإسلام
الداعية الذي ينشده الإسلام
 تصويت هل ترى أن التكنولوجيا الحديثة كانت سببًا في التباعد الأسري؟ 

  نعم
  لا

 أضف بريدك الإلكتروني ليصلك جديدنا:
   
 
     الرئيسية | الأخبار | من نحن | اتصل بنا | المدرسة العلمية | دراسات وبحوث | زاد الخطيب | طلاب علم | رسالة المسجد | استشارات دعوية | شبهات وردود | مكتبة الكتب | برامج فضائية | وسائط | قرأت لك | مشاريع دعوية | بيوتنا | ركن الشباب | بنات X بنات | فارس | قصص وعبر | أدب وفنون | مشاكل وحلول | للمناقشة | حوار مباشر | بأقلامكم     
     الآراء الواردة على الموقع تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى الموقع
حقوق النشر محفوظة © 2005 - 2014 منارات ويب